Les caractéristiques distinctives des Compagnons et l'importance accordée à leur fiqh
Quelles sont les caractéristiques distinctives des Compagnons, qu'Allah les agrée, et quel est le secret de leur excellence ? Quelle est l'importance d'accorder de l'attention à leur fiqh dans les questions de religion...

Arabe original :
ما هي الخصائصُ المُميِّزةُ للصَّحابةِ رضي الله عنهم وسِرُّ خيريَّتِهم؟ وما هي أهمِّيَّةُ العِنايةِ بفِقهِهم في قضايا الدِّينِ والعقيدةِ؟ وبارك اللهُ فيكم.
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد: فيُمكنُ التَّعرُّضُ لِأَهمِّ الخصائصِ والفضائلِ الَّتي امتازَ بها الصَّحابةُ رضي الله عنهم عنِ الأُممِ السَّابقةِ وبقيَّةِ هذه الأُمَّةِ، وإبرازُ أهمِّيَّةِ العنايةِ بفقهِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم وعِلمِهِم؛ وتظهرُ هذه الخصائصُ مُجمَلةً في النِّقاطِ الآتيةِ: ـ أنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم كانوا أهلَ صدقٍ ظاهرًا وباطنًا، وقد أثنى اللهُ عليهم ومدَحَهم بسلامةِ قلوبِهم ونقاوتِها، ونفَى عنهم النِّفاقَ والكذبَ المُنافِيَ للصِّدقِ والقادحَ في صِحَّةِ الشَّهادةِ، وبيَّن حُسْنَ قَصدِهم ونِيَّاتِهم ببِرِّ قلوبِهم فقال تعالى: ﴿لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا ١٨﴾ [الفتح]، وكان صدقُهم الباطنيُّ سببًا مِنْ أسبابِ اصطفائِهم لصُحبةِ نبيِّهم، فعن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: «إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ»(١). ـ وأنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم كانوا أكثرَ الأُمَّةِ عِلمًا وأَبَرَّها قلوبًا وأقلَّها تكلُّفًا، وأَبعدَها عن اتِّباع الهوى، وقد أُوتُوا الأوصافَ المحمودةَ الكثيرةَ، منها المُقوِّماتُ الثَّلاثُ: مِنَ الأمر بالمعروف والنَّهيِ عن المُنكَرِ والإيمانِ الحقِّ بالله إقرارًا ويقينًا بالخبر وامتثالًا للأمرِ والنَّهي، وبعناصر الإيمان الأخرى الَّتي هي سببُ الفضيلةِ والخيريَّة، ولا تَثبُتُ لمَنْ بعدَهم مِنَ الأمَّةِ إلَّا لمَنْ حافظ منهم على هذه المُقوِّمات، فيدخل الصَّحابةُ رضي الله عنهم في خيريَّةِ الأمَّةِ وتفضيلِها دخولًا أوَّليًّا كما جاء في قوله تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عِمران: ١١٠]، و«هذا تفضيلٌ مِنَ الله لهذه الأمَّةِ بهذه الأسباب، الَّتي تَميَّزوا بها وفاقوا بها سائرَ الأُمَم، وأنَّهم خيرُ النَّاسِ للنَّاس، نصحًا ومحبَّةً للخير، ودعوةً وتعليمًا وإرشادًا، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المُنكَرِ، وجمعًا بين تكميل الخَلْق والسَّعيِ في منافعِهم بحسَبِ الإمكان، وبين تكميلِ النَّفس بالإيمان بالله والقيامِ بحقوق الإيمان»(٢)؛ فكانوا أَرحَمَ النَّاسِ بالمؤمنين، وأَشَدَّهم على الكُفرِ والكافرينَ، وأَحرَصَهم على نَيلِ رِضَى ربِّ العالَمِين؛ وهكذا جاءَ وصفُهم في التَّوراةِ؛ قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ﴾ [الفتح: ٢٩]. ـ وأنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم حَفِظوا الشَّريعةَ، وبيَّنوها حقَّ البيان، وبلَّغوها للنَّاس؛ ففضلُهم كبيرٌ في نشرِ الإسلام، والدَّعوةِ إلى دِينِ الله، والجهادِ في سبيل الله ـ ولا يخفى أنَّ الجهادَ بالبيان مُقدَّمٌ على الجهاد بالسِّنان، كما أنَّ مِنْ مراتبِ الجهاد: مجاهدةَ النَّفسِ والهوى والشَّيطانِ على العمل الصَّالح بالعلم النَّافع؛ وللصَّحابةِ مِنْ هذا النَّصيبُ الأوفرُ ـ؛ لذلك أثنى اللهُ تعالى عليهم في القرآن الكريم بهذه الخصالِ وغيرِها ورَضِيَ عنهم بقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقولِه تعالى: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠﴾ [التَّوبة]. ـ وأنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم هم أهلُ اللِّسانِ العربيِّ وهو أفضلُ الألسنةِ، وهو الَّذي نزَلَ به القرآنُ الكريم، ولم تَفسُدْ سليقتُهم وألسنتُهم بمخالطةِ العجم كما حصَلَ لمَنْ بعدَهم، وهذا فضلٌ آخَرُ يُضَمُّ إلى فضائلِهم؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣ عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤ بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥﴾ [الشُّعَراء]؛ قال السِّعديُّ ـ رحمه الله ـ: «وتَأمَّلْ كيف اجتمعت هذه الفضائلُ الفاخرةُ في هذا الكتابِ الكريم، فإنَّه أفضلُ الكُتُب، نزَلَ به أفضلُ الملائكة، على أفضلِ الخَلْق، على أفضلِ بَضعةٍ فيه وهي قلبُه، على أفضلِ أُمَّةٍ أُخرِجَتْ للنَّاس، بأفضلِ الألسنةِ وأفصحِها وأوسعِها، وهو: اللِّسانُ العربيُّ المُبين»(٣). ـ و«لأنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم عاصَرُوا التَّنزيلَ وعَلِموا أسبابَ ورودِ الأحاديث، وقد كانوا أَقْرَبَ عهدًا بِنُورِ النُّبوَّةِ وأَقْرَبَ تلقِّيًا مِنْ مِشْكاتها، ومع ذلك دَعَاهُمُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الاجتهاد فقال: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»(٤). وقد تَمَرَّنوا على الاجتهاد والاستنباط، وتَرَبَّوْا على مُواجَهةِ القضايا والمَسائِل، وكانو يحتجُّون بأدلَّةِ التَّشريع مِنَ الكتاب والسُّنَّة، فإِنِ اتَّفقوا على أمرٍ كان إجماعًا وهو الدَّليلُ الثَّالثُ مِنْ أدلَّةِ التَّشريع، وإِنْ لم يَتَّفِقوا بَقِيَ الأمرُ في حَيِّزِ القياس والنَّظرِ وهو الدَّليل الرَّابعُ مِنْ أدلَّةِ التَّشريع، وكانوا في عَهْدِهم قد طبَّقوا القواعدَ الأصوليَّةَ بجوهرها وإِنْ لم يُسَمُّوا ذلك بالمُصْطَلحات الحاليَّة؛ فقَدْ كان الصَّحابةُ مِنْ أَفْقَهِ النَّاسِ بدلالات الألفاظ وصِيَغِها لكونهم أهلَ الفصاحةِ واللِّسان: فالعربيَّةُ طبيعتُهم وسليقتُهم، والمَعاني الصَّحيحةُ مغروسةٌ في فِطَرِهم وعقولِهِم؛ فلم يكونوا بحاجةٍ إلى قواعدِ النَّحوِ وميزانِ الصَّرف؛ لأنَّهم كانوا ينطقون بالفُصْحى ويُراعُونَ الإعرابَ قبل أَنْ يُوضَعَ عِلْمُ النَّحوِ والصَّرفِ. كذلك لم يكونوا بحاجةٍ إلى النَّظر في الإسنادِ وأحوالِ الرُّوَاة وعِلَلِ الحديثِ والجرحِ والتَّعديل، لعدالتِهم وتزكيةِ النَّصِّ القرآنيِّ والحديثيِّ لهم؛ فكانوا ـ أيضًا ـ في غِنًى عن النَّظر إلى قواعد الأصولِ وأوضاعِ الأصوليِّين؛ لكونهم أَعْلَمَ بالتَّأويل وأَعْرَفَ بمَقاصِدِ الشَّريعة، لِمَا تَميَّزوا به مِنْ صفاءِ الخاطر، وحِدَّةِ الذِّهن في إدراكِ المَرامي والأبعادِ والغاياتِ؛ الأمرُ الذي أَكْسَبَهم قُوَّةً تُؤهِّلُهم لفَهْمِ مُرادِ الشَّارعِ وتتبُّعِ النُّصوصِ والاستنباطِ منها والاجتهادِ فيما لم يَرِدْ فيه نصٌّ. وقد وَجَّه عمرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه رسالةً إلى أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه يقول فيها: «الفَهْمَ الفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، ثُمَّ اعْرِفِ الأَشْبَاهَ وَالأَمْثَالَ، فَقِسِ الأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَاعْمِدْ إِلَى أَقْرَبِهَا إِلَى اللهِ وَأَشْبَهِهَا بِالحَقِّ»(٥)؛ فقَدْ أَرْسى عُمَرُ رضي الله عنه ـ بمَقالتِه هذه ـ أصلَيْن: يتمثَّل الأوَّلُ في قاعدةِ: «لَا اجْتِهَادَ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ». والثَّاني: في تقريرِ مبدإ القياسِ ومَعرفةِ عِلَلِ الأحكامِ»(٦). ـ وأنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم هم أكثرُ هذه الأمَّةِ علمًا بقضايا الدِّينِ كما تقدَّم، بل أعلمُهم ـ أيضًا ـ بقضايا العقيدةِ على وجه الخصوص؛ لأنَّهم لمَّا قاموا بها علمًا واعتقادًا وعملًا نصَرَهم اللهُ تعالى؛ ولهذا لم يقع الاختلافُ ـ ألبتَّةَ ـ بين أصحاب النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في أصول العقائد والأحكام أبدًا، وحدودُ دائرةِ الاختلافِ الَّتي وقَعَ فيها الصَّحابةُ رضوانُ الله عليهم فيها إنَّما هي في بعض المسائل العَقَديَّةِ الفرعيَّةِ أو في الفقهيَّةِ المُحتمِلةِ كما بيَّنْتُه في بعض الرُّدودِ على الاعتراضات الواردةِ في هذا الشَّأن(٧)؛ فمنهجُهم قائمٌ على تقرير العقيدةِ السَّليمةِ والاستدلالِ عليها والدِّفاعِ عنها، وخاصَّةً في القضايا الكبرى المُرتبِطةِ بأصل الأصولِ، وما يتعلَّق بها مِنْ مسائلِ التَّوحيد والإيمانِ وغيرِها مِنَ المسائلِ العَقَديَّة، أو ما يتعلَّق ـ أيضًا ـ بالقواعدِ الأساسيَّةِ في فهم الإسلامِ والعملِ به نصًّا وروحًا، وكذلك المبادئ والقِيَم الإسلاميَّة الَّتي يجب أَنْ نَلتزِمَ بها كما الْتَزموا بها في الدِّفاع عن الحقِّ الَّذي عَلِموه، ضِدَّ كُلِّ التَّحدِّيات والقضايا المُستجدَّةِ والمُثارةِ في عصرِهم والعصورِ الَّتي تَلَتْها؛ فأَسعَدُ النَّاسِ بالإصابةِ هو مَنْ وُفِّقَ لِمُوافقة الصَّحابةِ فيما ماثَلَ الحالَ الَّتي حَكَمُوا فيها؛ فأمَّا إذا كان فيها ما يمكن أَنْ يقتضِيَ اختلافَ الحُكمِ لاختلافِ الحالِ فله حُكمُه. ـ وأنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم تَجلَّتْ عنايتُهم بالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ عنايةً فائقةً، فتَفرَّغوا لها تحصيلًا ومذاكرةً وروايةً، وحَرَصوا على صِيانتِها وحِفظِها منذ زمنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وجعلوا الاهتمامَ والعملَ بمُقتضاها امتثالًا وسلوكًا ودعوةً مِنْ أعظمِ القُرُباتِ وأَوْلى الطَّاعات؛ فكانوا أَسرعَ النَّاسِ استجابةً لأوامر الله تعالى، وأَسرعَهم تلقِّيًا عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لذلك سَبَقوا الأُمَمَ الَّتي قبلهم وفاقوا مَنْ جاء بعدَهم مِنْ هذه الأمَّة؛ قال الشَّاطبيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: «إنَّ أصحابَه كانوا مُقتدِينَ به [أي: بِنَبِيِّهِم صلَّى الله عليه وسلَّم] مُهتدِينَ بِهَدْيِه، وقَدْ جاء مدحُهُم في القُرآنِ الكريم، وأَثْنَى على مَتبُوعِهِم مُحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنَّما كان خُلُقُه صلَّى الله عليه وسلَّم القُرآنَ، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤﴾ [القلم]، فالقُرآنُ إنَّما هو المَتبوعُ على الحقيقة، وجاءَتِ السُّنَّةُ مُبَيِّنةً له، فالمُتَّبِعُ لِلسُّنَّةِ مُتَّبِعٌ لِلقُرآن؛ والصَّحابةُ كانوا أَوْلى النَّاسِ بذلك، فكُلُّ مَنِ اقْتَدَى بهم فهو مِنَ الفِرقةِ النَّاجيةِ الدَّاخلةِ لِلْجنَّةِ بِفضلِ الله، وهو مَعنَى قولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»(٨)؛ فالكتابُ والسُّنَّةُ هو الطَّريقُ المُستقيمُ، وما سِوَاهُما مِنَ الإجماعِ وغيرِه فناشئٌ عنهما»(٩). ومَنِ اهتمَّ بعِلمِهم وفِقهِهم استفاد علومًا جمَّةً في الدُّنيا والآخرة، وكان انتسابُه إليهم وإلى مَنْ جاء مِنْ بعدِهم الَّذين سلكوا منهجَهم بإحسانٍ مِنْ أهل السُّنَّةِ والجماعةِ انتسابَ صدقٍ وحقٍّ لا انتسابَ زُورٍ ومُراوغةٍ، وأَورَثهُ ذلك عِزًّا وشرفًا، خاصَّةً إذا تَجسَّد بالعمل الصَّحيحِ المُؤيَّدِ بالكتاب والسُّنَّة، وإنَّما العيبُ والذَّمُّ في مُخالَفةِ اعتقاد السَّلفِ الصَّالحِ في أيِّ أصلٍ مِنَ الأصول؛ لأنَّ مذهب السَّلفِ لا يكون إلَّا حقًّا؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥﴾ [النِّساء]؛ وهذه الآيةُ كما أنَّها دليلٌ على حُجِّيَّةِ الإجماع في الفقهِ والعقيدةِ وحُرمةِ مُخالَفتِه بعد تَبيُّنِ الهدى الَّذي انتهى إليه الإجماعُ ـ وفي مُقدِّمتِه إجماعُ الصَّحابة ـ فهي دليلٌ ـ أيضًا ـ على أنَّ سبيلَ المؤمنين مِنَ الصَّحابةِ في العقيدةِ والمنهجِ هدًى وكذلك ما اتَّفقوا فيه فقهًا لا يجوز خلافُه، وأنَّ مَنِ اتَّبع غيرَ سبيلِهم بعد تبيُّنِه فهو مُتوعَّدٌ بالوعيد المذكور؛ وكما أنَّ الوعيدَ حاصلٌ على مُشاقَّةِ الرَّسولِ باستقلاله إذ مُشاقَّةُ الرَّسولِ بمُجرَّدِها كافيةٌ في ترتُّبِ الوعيد واستحقاقِه، فكذلك اتِّباعُ غيرِ سبيلِ المؤمنين وفهمِهم بمُجرَّدِه كافٍ في ترتُّبِ الوعيد أيضًا، فثَبَتَتْ بذلك حُجِّيَّةُ منهجِ السَّلف وفهمِهم وحُجِّيَّةُ الإجماع، لأنَّ الوعيدَ إمَّا أَنْ يترتَّب على اجتماعِ الشَّرطَيْن [مُشاقَّةِ الرَّسول، واتِّباعِ غيرِ سبيل المؤمنين]، وإمَّا أَنْ يَكفِيَ في ترتُّبِه كُلٌّ منهما بِانفرادِه، ولا يجوز أَنْ يترتَّب على أحَدِهما بانفراده دون ترتُّبِه على الآخَرِ بِانفراده، وإلَّا كان ذِكرُ الثَّاني عبثًا يتنزَّه عنه كلامُ الله، لأنَّه لا تأثيرَ له في الحكم لا في ترتُّبِه ولا في تغليظِه. والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا. الجزائر في:٢٠ ذي القعدة ١٤٤٦ﻫالمـوافق ﻟ: ١٨ مـايـو ٢٠٢٥م (١) أخرجه أحمدُ (٣٦٠٠)، وبنحوه أبو داودَ الطَّيالسيُّ (٢٤٦)، ومِنْ طريقه أبو نُعَيْمٍ في «الحلية» (١/ ٣٧٥)، والطَّبرانيُّ في «الكبير» (٨٥٨٢، ٨٥٨٣)، وصحَّح إسنادَه أحمد شاكر (٣/ ٥٠٥)، والألبانيُّ كما في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٢/ ١٧). (٢) «تفسير السِّعدي» (٩٧٢). (٣) المصدر السَّابق (٥٩٧). (٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» بابُ أجرِ الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أَخطأَ (٧٣٥٢)، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٦)، مِنْ حديثِ عَمْرِو بنِ العاص رضي الله عنه. (٥) ذَكَرَه ـ بهذا اللَّفظِ ـ المبرِّدُ في «الكامل في اللُّغة والأدب» (١/ ١٥)، وأخرجه الدَّارقطنيُّ (٤٤٧١) ولفظُه: «الفهمَ الفهمَ فيما تَخلَّجَ في صدرك ممَّا لم يبلغك في الكتاب والسُّنَّة، اعْرِفِ الأمثالَ والأشباه، ثمَّ قِسِ الأمورَ عند ذلك، فاعْمِد إلى أَحبِّها إلى الله وأَشبَهِها بالحقِّ فيما تَرى»، والبيهقيُّ في «سُنَنه الكبرى» (٢٠٣٤٧)، والخطيب في «الفقيه والمتفقِّه» (١/ ٢٠٠)؛ قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في «التَّلخيص الحبير» (٤/ ١٩٦) بعد أَنْ ذَكَرَ اعتراضَ ابنِ حزمٍ وإعلالَه لطريقَيْه: «لكنَّ اختلافَ المَخْرَجِ فيهما مِمَّا يُقوِّي أَصْلَ الرِّسالة، لا سيَّما وفي بعضِ طُرُقِه أنَّ راوِيَه أَخْرَجَ الرِّسالةَ مكتوبةً»؛ ووَصَفَ ابنُ القَيِّمِ ـ رحمه الله ـ كتابَ عُمَرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنه ـ بعد أَنْ ساقه ـ بأنَّه: «كتابٌ جليلٌ تَلَقَّاهُ العُلَماءُ بالقَبول، وبَنَوْا عليه أصولَ الحكمِ والشَّهادة، والحاكمُ والمُفْتي أَحْوَجُ شيءٍ إليه وإلى تأمُّلِه والتَّفقُّهِ فيه»، [انظر: «إعلام الموقِّعين» (١/ ٨٥ ـ ٨٦)]. (٦) انظر: طليعةَ مؤلَّفي [«الفتح المأمول» شرح «مبادئ الأصول»] (ص ٩ ـ ١٠). (٧) انظر الفتوى رقم: (١٢٧٥) الموسومة ﺑ: «الجواب عن الاعتراض على «اختلاف السَّلف في المَسائل العقديَّة الفرعيَّة»» على الموقع الرَّسميِّ. (٨) جزءٌ مِنْ حديثِ افتراق الأُمَمِ المشهور: أخرجه بهذا اللَّفظِ التِّرمذيُّ في «الإيمان» بابُ ما جاء في افتراقِ هذه الأُمَّة (٢٦٤١) مِنْ حديثِ عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص رضي الله عنهما. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيحِ سُنَنِ التِّرمذي» (٣/ ٥٤). (٩) «الاعتصام» للشَّاطبي (٢/ ٢٥٢).
Arabe vocalisé :
مَا هِيَ الْخَصَائِصُ الْمُمَيِّزَةُ لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَسِرُّ خَيْرِيَّتِهِمْ؟ وَمَا هِيَ أَهَمِّيَّةُ الْعِنَايَةِ بِفِقْهِهِمْ فِي قَضَايَا الدِّينِ وَالْعَقِيدَةِ؟ وَبَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَإِخْوَانِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: فَيُمْكِنُ التَّعَرُّضُ لِأَهَمِّ الْخَصَائِصِ وَالْفَضَائِلِ الَّتِي امْتَازَ بِهَا الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَبَقِيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِبْرَازُ أَهَمِّيَّةِ الْعِنَايَةِ بِفِقْهِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعِلْمِهِمْ؛ وَتَظْهَرُ هَذِهِ الْخَصَائِصُ مُجْمَلَةً فِي النِّقَاطِ الْآتِيَةِ: ـ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا أَهْلَ صِدْقٍ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَمَدَحَهُمْ بِسَلَامَةِ قُلُوبِهِمْ وَنَقَاوَتِهَا، وَنَفَى عَنْهُمُ النِّفَاقَ وَالْكَذِبَ الْمُنَافِيَ لِلصِّدْقِ وَالْقَادِحَ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ، وَبَيَّنَ حُسْنَ قَصْدِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ بِبِرِّ قُلُوبِهِمْ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا ١٨﴾ [الفتح]، وَكَانَ صِدْقُهُمُ الْبَاطِنِيُّ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ اصْطِفَائِهِمْ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِمْ، فَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ»(١). ـ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ الْأُمَّةِ عِلْمًا وَأَبَرَّهَا قُلُوبًا وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، وَأَبْعَدَهَا عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَقَدْ أُوتُوا الْأَوْصَافَ الْمَحْمُودَةَ الْكَثِيرَةَ، مِنْهَا الْمُقَوِّمَاتُ الثَّلَاثُ: مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْإِيمَانِ الْحَقِّ بِاللَّهِ إِقْرَارًا وَيَقِينًا بِالْخَبَرِ وَامْتِثَالًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَبِعَنَاصِرِ الْإِيمَانِ الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْفَضِيلَةِ وَالْخَيْرِيَّةِ، وَلَا تَثْبُتُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأُمَّةِ إِلَّا لِمَنْ حَافَظَ مِنْهُمْ عَلَى هَذِهِ الْمُقَوِّمَاتِ، فَيَدْخُلُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي خَيْرِيَّةِ الْأُمَّةِ وَتَفْضِيلِهَا دُخُولًا أَوَّلِيًّا كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عِمران: ١١٠]، وَ«هَذَا تَفْضِيلٌ مِنَ اللَّهِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ، الَّتِي تَمَيَّزُوا بِهَا وَفَاقُوا بِهَا سَائِرَ الْأُمَمِ، وَأَنَّهُمْ خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، نُصْحًا وَمَحَبَّةً لِلْخَيْرِ، وَدَعْوَةً وَتَعْلِيمًا وَإِرْشَادًا، وَأَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيًا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَجَمْعًا بَيْنَ تَكْمِيلِ الْخَلْقِ وَالسَّعْيِ فِي مَنَافِعِهِمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَبَيْنَ تَكْمِيلِ النَّفْسِ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِ الْإِيمَانِ»(٢)؛ فَكَانُوا أَرْحَمَ النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَشَدَّهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالْكَافِرِينَ، وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى نَيْلِ رِضَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ وَهَكَذَا جَاءَ وَصْفُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ﴾ [الفتح: ٢٩]. ـ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَفِظُوا الشَّرِيعَةَ، وَبَيَّنُوهَا حَقَّ الْبَيَانِ، وَبَلَّغُوهَا لِلنَّاسِ؛ فَفَضْلُهُمْ كَبِيرٌ فِي نَشْرِ الْإِسْلَامِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى دِينِ اللَّهِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ـ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجِهَادَ بِالْبَيَانِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجِهَادِ بِالسِّنَانِ، كَمَا أَنَّ مِنْ مَرَاتِبِ الْجِهَادِ: مُجَاهَدَةَ النَّفْسِ وَالْهَوَى وَالشَّيْطَانِ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ؛ وَلِلصَّحَابَةِ مِنْ هَذَا النَّصِيبُ الْأَوْفَرُ ـ؛ لِذَلِكَ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِهَذِهِ الْخِصَالِ وَغَيْرِهَا وَرَضِيَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠﴾ [التَّوبة]. ـ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَلْسِنَةِ، وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَلَمْ تَفْسُدْ سَلِيقَتُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ بِمُخَالَطَةِ الْعَجَمِ كَمَا حَصَلَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهَذَا فَضْلٌ آخَرُ يُضَمُّ إِلَى فَضَائِلِهِمْ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣ عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤ بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥﴾ [الشُّعَراء]؛ قَالَ السِّعْدِيُّ ـ رَحِمَهُ اللَّهُ ـ: «وَتَأَمَّلْ كَيْفَ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْفَضَائِلُ الْفَاخِرَةُ فِي هَذَا الْكِتَابِ الْكَرِيمِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْكُتُبِ، نَزَلَ بِهِ أَفْضَلُ الْمَلَائِكَةِ، عَلَى أَفْضَلِ الْخَلْقِ، عَلَى أَفْضَلِ بَضْعَةٍ فِيهِ وَهِيَ قَلْبُهُ، عَلَى أَفْضَلِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، بِأَفْضَلِ الْأَلْسِنَةِ وَأَفْصَحِهَا وَأَوْسَعِهَا، وَهُوَ: اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ الْمُبِينُ»(٣). ـ وَ«لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَاصَرُوا التَّنْزِيلَ وَعَلِمُوا أَسْبَابَ وُرُودِ الْأَحَادِيثِ، وَقَدْ كَانُوا أَقْرَبَ عَهْدًا بِنُورِ النُّبُوَّةِ وَأَقْرَبَ تَلَقِّيًا مِنْ مِشْكَاتِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ دَعَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الِاجْتِهَادِ فَقَالَ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»(٤). وَقَدْ تَمَرَّنُوا عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، وَتَرَبَّوْا عَلَى مُوَاجَهَةِ الْقَضَايَا وَالْمَسَائِلِ، وَكَانُو يَحْتَجُّونَ بِأَدِلَّةِ التَّشْرِيعِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَمْرٍ كَانَ إِجْمَاعًا وَهُوَ الدَّلِيلُ الثَّالِثُ مِنْ أَدِلَّةِ التَّشْرِيعِ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا بَقِيَ الْأَمْرُ فِي حَيِّزِ الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ وَهُوَ الدَّلِيلُ الرَّابِعُ مِنْ أَدِلَّةِ التَّشْرِيعِ، وَكَانُوا فِي عَهْدِهِمْ قَدْ طَبَّقُوا الْقَوَاعِدَ الْأُصُولِيَّةَ بِجَوْهَرِهَا وَإِنْ لَمْ يُسَمُّوا ذَلِكَ بِالْمُصْطَلَحَاتِ الْحَالِيَّةِ؛ فَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ مِنْ أَفْقَهِ النَّاسِ بِدَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ وَصِيَغِهَا لِكَوْنِهِمْ أَهْلَ الْفَصَاحَةِ وَاللِّسَانِ: فَالْعَرَبِيَّةُ طَبِيعَتُهُمْ وَسَلِيقَتُهُمْ، وَالْمَعَانِي الصَّحِيحَةُ مَغْرُوسَةٌ فِي فِطَرِهِمْ وَعُقُولِهِمْ؛ فَلَمْ يَكُونُوا بِحَاجَةٍ إِلَى قَوَاعِدِ النَّحْوِ وَمِيزَانِ الصَّرْفِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِالْفُصْحَى وَيُرَاعُونَ الْإِعْرَابَ قَبْلَ أَنْ يُوضَعَ عِلْمُ النَّحْوِ وَالصَّرْفِ. كَذَلِكَ لَمْ يَكُونُوا بِحَاجَةٍ إِلَى النَّظَرِ فِي الْإِسْنَادِ وَأَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَعِلَلِ الْحَدِيثِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، لِعَدَالَتِهِمْ وَتَزْكِيَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَالْحَدِيثِيِّ لَهُمْ؛ فَكَانُوا ـ أَيْضًا ـ فِي غِنًى عَنِ النَّظَرِ إِلَى قَوَاعِدِ الْأُصُولِ وَأَوْضَاعِ الْأُصُولِيِّينَ؛ لِكَوْنِهِمْ أَعْلَمَ بِالتَّأْوِيلِ وَأَعْرَفَ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، لِمَا تَمَيَّزُوا بِهِ مِنْ صَفَاءِ الْخَاطِرِ، وَحِدَّةِ الذِّهْنِ فِي إِدْرَاكِ الْمَرَامِي وَالْأَبْعَادِ وَالْغَايَاتِ؛ الْأَمْرُ الَّذِي أَكْسَبَهُمْ قُوَّةً تُؤَهِّلُهُمْ لِفَهْمِ مُرَادِ الشَّارِعِ وَتَتَبُّعِ النُّصُوصِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنْهَا وَالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ. وَقَدْ وَجَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِسَالَةً إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ فِيهَا: «الفَهْمَ الفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، ثُمَّ اعْرِفِ الأَشْبَاهَ وَالأَمْثَالَ، فَقِسِ الأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَاعْمِدْ إِلَى أَقْرَبِهَا إِلَى اللهِ وَأَشْبَهِهَا بِالحَقِّ»(٥)؛ فَقَدْ أَرْسَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ بِمَقَالَتِهِ هَذِهِ ـ أَصْلَيْنِ: يَتَمَثَّلُ الْأَوَّلُ فِي قَاعِدَةِ: «لَا اجْتِهَادَ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ». وَالثَّانِي: فِي تَقْرِيرِ مَبْدَإِ الْقِيَاسِ وَمَعْرِفَةِ عِلَلِ الْأَحْكَامِ»(٦). ـ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هُمْ أَكْثَرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عِلْمًا بِقَضَايَا الدِّينِ كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ أَعْلَمُهُمْ ـ أَيْضًا ـ بِقَضَايَا الْعَقِيدَةِ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا قَامُوا بِهَا عِلْمًا وَاعْتِقَادًا وَعَمَلًا نَصَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى؛ وَلِهَذَا لَمْ يَقَعِ الِاخْتِلَافُ ـ أَلْبَتَّةَ ـ بَيْنَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُصُولِ الْعَقَائِدِ وَالْأَحْكَامِ أَبَدًا، وَحُدُودُ دَائِرَةِ الِاخْتِلَافِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيهَا إِنَّمَا هِيَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ أَوْ فِي الْفِقْهِيَّةِ الْمُحْتَمِلَةِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي بَعْضِ الرُّدُودِ عَلَى الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ(٧)؛ فَمَنْهَجُهُمْ قَائِمٌ عَلَى تَقْرِيرِ الْعَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهَا وَالدِّفَاعِ عَنْهَا، وَخَاصَّةً فِي الْقَضَايَا الْكُبْرَى الْمُرْتَبِطَةِ بِأَصْلِ الْأُصُولِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ، أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ ـ أَيْضًا ـ بِالْقَوَاعِدِ الْأَسَاسِيَّةِ فِي فَهْمِ الْإِسْلَامِ وَالْعَمَلِ بِهِ نَصًّا وَرُوحًا، وَكَذَلِكَ الْمَبَادِئِ وَالْقِيَمِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ نَلْتَزِمَ بِهَا كَمَا الْتَزَمُوا بِهَا فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ الَّذِي عَلِمُوهُ، ضِدَّ كُلِّ التَّحَدِّيَاتِ وَالْقَضَايَا الْمُسْتَجَدَّةِ وَالْمُثَارَةِ فِي عَصْرِهِمْ وَالْعُصُورِ الَّتِي تَلَتْهَا؛ فَأَسْعَدُ النَّاسِ بِالْإِصَابَةِ هُوَ مَنْ وُفِّقَ لِمُوَافَقَةِ الصَّحَابَةِ فِيمَا مَاثَلَ الْحَالَ الَّتِي حَكَمُوا فِيهَا؛ فَأَمَّا إِذَا كَانَ فِيهَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْتَضِيَ اخْتِلَافَ الْحُكْمِ لِاخْتِلَافِ الْحَالِ فَلَهُ حُكْمُهُ. ـ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تَجَلَّتْ عِنَايَتُهُمْ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ عِنَايَةً فَائِقَةً، فَتَفَرَّغُوا لَهَا تَحْصِيلًا وَمُذَاكَرَةً وَرِوَايَةً، وَحَرَصُوا عَلَى صِيَانَتِهَا وَحِفْظِهَا مُنْذُ زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَعَلُوا الِاهْتِمَامَ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهَا امْتِثَالًا وَسُلُوكًا وَدَعْوَةً مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَأَوْلَى الطَّاعَاتِ؛ فَكَانُوا أَسْرَعَ النَّاسِ اسْتِجَابَةً لِأَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَسْرَعَهُمْ تَلَقِّيًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِذَلِكَ سَبَقُوا الْأُمَمَ الَّتِي قَبْلَهُمْ وَفَاقُوا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ قَالَ الشَّاطِبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا مُقْتَدِينَ بِهِ [أَيْ: بِنَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] مُهْتَدِينَ بِهَدْيِهِ، وَقَدْ جَاءَ مَدْحُهُمْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَأَثْنَى عَلَى مَتْبُوعِهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا كَانَ خُلُقُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤﴾ [القلم]، فَالْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ الْمَتْبُوعُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَاءَتِ السُّنَّةُ مُبَيِّنَةً لَهُ، فَالْمُتَّبِعُ لِلسُّنَّةِ مُتَّبِعٌ لِلْقُرْآنِ؛ وَالصَّحَابَةُ كَانُوا أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ، فَكُلُّ مَنِ اقْتَدَى بِهِمْ فَهُوَ مِنَ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الدَّاخِلَةِ لِلْجنَّةِ بِفَضْلِ اللَّهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»(٨)؛ فَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ، وَمَا سِوَاهُمَا مِنَ الْإِجْمَاعِ وَغَيْرِهِ فَنَاشِئٌ عَنْهُمَا»(٩). وَمَنِ اهْتَمَّ بِعِلْمِهِمْ وَفِقْهِهِمْ اسْتَفَادَ عُلُومًا جَمَّةً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكَانَ انْتِسَابُهُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى مَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِمُ الَّذِينَ سَلَكُوا مَنْهَجَهُمْ بِإِحْسَانٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ انْتِسَابَ صِدْقٍ وَحَقٍّ لَا انْتِسَابَ زُورٍ وَمُرَاوَغَةٍ، وَأَوْرَثَهُ ذَلِكَ عِزًّا وَشَرَفًا، خَاصَّةً إِذَا تَجَسَّدَ بِالْعَمَلِ الصَّحِيحِ الْمُؤَيَّدِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا الْعَيْبُ وَالذَّمُّ فِي مُخَالَفَةِ اعْتِقَادِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي أَيِّ أَصْلٍ مِنَ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥﴾ [النِّساء]؛ وَهَذِهِ الْآيَةُ كَمَا أَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ فِي الْفِقْهِ وَالْعَقِيدَةِ وَحُرْمَةِ مُخَالَفَتِهِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الْهُدَى الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ الْإِجْمَاعُ ـ وَفِي مُقَدِّمَتِهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ـ فَهِيَ دَلِيلٌ ـ أَيْضًا ـ عَلَى أَنَّ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْمَنْهَجِ هُدًى وَكَذَلِكَ مَا اتَّفَقُوا فِيهِ فِقْهًا لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ، وَأَنَّ مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ بَعْدَ تَبَيُّنِهِ فَهُوَ مُتَوَعَّدٌ بِالْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ؛ وَكَمَا أَنَّ الْوَعِيدَ حَاصِلٌ عَلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ بِاسْتِقْلَالِهِ إِذْ مُشَاقَّةُ الرَّسُولِ بِمُجَرَّدِهَا كَافِيَةٌ فِي تَرَتُّبِ الْوَعِيدِ وَاسْتِحْقَاقِهِ، فَكَذَلِكَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَفَهْمِهِمْ بِمُجَرَّدِهِ كَافٍ فِي تَرَتُّبِ الْوَعِيدِ أَيْضًا، فَثَبَتَتْ بِذَلِكَ حُجِّيَّةُ مَنْهَجِ السَّلَفِ وَفَهْمِهِمْ وَحُجِّيَّةُ الْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْوَعِيدَ إِمَّا أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى اجْتِمَاعِ الشَّرْطَيْنِ [مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ، وَاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ]، وَإِمَّا أَنْ يَكْفِيَ فِي تَرَتُّبِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِانْفِرَادِهِ دُونَ تَرَتُّبِهِ عَلَى الْآخَرِ بِانْفِرَادِهِ، وَإِلَّا كَانَ ذِكْرُ الثَّانِي عَبَثًا يَتَنَزَّهُ عَنْهُ كَلَامُ اللَّهِ، لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ لَا فِي تَرَتُّبِهِ وَلَا فِي تَغْلِيظِهِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَإِخْوَانِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. الْجَزَائِرُ فِي:٢٠ ذِي الْقَعْدَةِ ١٤٤٦ﻫالمـوافق ﻟ: ١٨ مـايـو ٢٠٢٥م (١) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٣٦٠٠)، وَبِنَحْوِهِ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ (٢٤٦)، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْحِلْيَةِ» (١/ ٣٧٥)، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي «الْكَبِيرِ» (٨٥٨٢، ٨٥٨٣)، وَصَحَّحَ إِسْنَادَهُ أَحْمَدُ شَاكِرٍ (٣/ ٥٠٥)، وَالْأَلْبَانِيُّ كَمَا فِي «السِّلْسِلَةِ الضَّعِيفَةِ» (٢/ ١٧). (٢) «تَفْسِيرُ السِّعْدِيِّ» (٩٧٢). (٣) الْمَصْدَرُ السَّابِقُ (٥٩٧). (٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ» بَابُ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ (٧٣٥٢)، وَمُسْلِمٌ فِي «الْأَقْضِيَةِ» (١٧١٦)، مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (٥) ذَكَرَهُ ـ بِهَذَا اللَّفْظِ ـ الْمُبَرِّدُ فِي «الْكَامِلِ فِي اللُّغَةِ وَالْأَدَبِ» (١/ ١٥)، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٤٤٧١) وَلَفْظُهُ: «الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا تَخَلَّجَ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَمْ يَبْلُغْكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، اعْرِفِ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ، ثُمَّ قِسِ الْأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَاعْمِدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ فِيمَا تَرَى»، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي «سُنَنِهِ الْكُبْرَى» (٢٠٣٤٧)، وَالْخَطِيبُ فِي «الْفَقِيهِ وَالْمُتَفَقِّهِ» (١/ ٢٠٠)؛ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ ـ رَحِمَهُ اللَّهُ ـ فِي «التَّلْخِيصِ الْحَبِيرِ» (٤/ ١٩٦) بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اعْتِرَاضَ ابْنِ حَزْمٍ وَإِعْلَالَهُ لِطَرِيقَيْهِ: «لَكِنَّ اخْتِلَافَ الْمَخْرَجِ فِيهِمَا مِمَّا يُقَوِّي أَصْلَ الرِّسَالَةِ، لَا سِيَّمَا وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ رَاوِيَهُ أَخْرَجَ الرِّسَالَةَ مَكْتُوبَةً»؛ وَوَصَفَ ابْنُ الْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللَّهُ ـ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ ـ بِأَنَّهُ: «كِتَابٌ جَلِيلٌ تَلَقَّاهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ، وَبَنَوْا عَلَيْهِ أُصُولَ الْحُكْمِ وَالشَّهَادَةِ، وَالْحَاكِمُ وَالْمُفْتِي أَحْوَجُ شَيْءٍ إِلَيْهِ وَإِلَى تَأَمُّلِهِ وَالتَّفَقُّهِ فِيهِ»، [انْظُرْ: «إعلام الموقِّعين» (١/ ٨٥ ـ ٨٦)]. (٦) انْظُرْ: طليعةَ مؤلَّفي [«الفتح المأمول» شرح «مبادئ الأصول»] (ص ٩ ـ ١٠). (٧) انْظُرِ الْفَتْوَى رَقْمَ: (١٢٧٥) الْمَوْسُومَةَ ﺑ: «الْجَوَابِ عَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى «اخْتِلَافِ السَّلَفِ فِي الْمَسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ»» عَلَى الْمَوْقِعِ الرَّسْمِيِّ. (٨) جُزْءٌ مِنْ حَدِيثِ افْتِرَاقِ الْأُمَمِ الْمَشْهُورِ: أَخْرَجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ التِّرْمِذِيُّ فِي «الإيمان» بَابُ مَا جَاءَ فِي افْتِرَاقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ (٢٦٤١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي «صَحِيحِ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ» (٣/ ٥٤). (٩) «الِاعْتِصَامُ» لِلشَّاطِبِيِّ (٢/ ٢٥٢).
Traduction française :
Quelles sont les caractéristiques distinctives des Compagnons, qu'Allah les agrée, et quel est le secret de leur excellence ? Quelle est l'importance d'accorder de l'attention à leur fiqh dans les questions de religion et de croyance ? Qu'Allah vous bénisse.
La louange est à Allah, Seigneur des mondes, que les éloges et le salut soient sur celui qu'Allah a envoyé comme miséricorde pour les mondes, ainsi que sur sa famille, ses Compagnons et ses frères jusqu'au Jour de la Récompense.
Ceci dit : il est possible d'exposer les plus importantes caractéristiques et vertus par lesquelles les Compagnons, qu'Allah les agrée, se sont distingués des communautés précédentes et du reste de cette communauté, et de mettre en évidence l'importance d'accorder de l'attention au fiqh des Compagnons, qu'Allah les agrée, et de leur science. Ces caractéristiques apparaissent, de manière générale, dans les points suivants.
Les Compagnons, qu'Allah les agrée, étaient des gens de véracité, interieurement et exterieurement. Allah a fait leur éloge et les a loues pour la sainteté et la pureté de leurs cœurs. Il a nie à leur sujet l'hypocrisie et le mensonge qui contredisent la véracité et portent atteinte a la validité du témoignage. Il a montre la justesse de leur intention et de leurs visées par la rectitude de leurs cœurs, en disant, selon le sens : "Allah a certes agrée les croyants lorsqu'ils te pretaient serment sous l'arbre. Il savait ce qu'il y avait dans leurs cœurs, Il fit alors descendre la serenite sur eux et les recompensa par une conquete proche" [Al-Fath : 18].
Leur véracité interieure fut l'une des causes pour lesquelles ils furent choisis pour accompagner leur Prophète. Ibn Mas'ud, qu'Allah l'agrée, a dit : "Allah a regarde dans les cœurs des serviteurs, et Il a trouvé que le cœur de Muhammad, qu'Allah fasse ses éloges et lui accorde le salut, était le meilleur des cœurs des serviteurs. Il l'a donc choisi pour Lui-même et l'a envoyé avec Son message. Puis Il a regarde dans les cœurs des serviteurs après le cœur de Muhammad, et Il a trouvé que les cœurs de ses Compagnons étaient les meilleurs des cœurs des serviteurs. Il en a donc fait les assistants de Son Prophète, combattant pour Sa religion."(1)
Les Compagnons, qu'Allah les agrée, étaient aussi les plus savants de cette communauté, ceux dont les cœurs étaient les plus purs, les moins affectés par l'artifice, et les plus éloignes du suivi de la passion. Ils ont reçu de nombreux attributs louables, parmi lesquels trois fondements : ordonner le convenable, interdire le blâmable, et avoir la foi veritable en Allah, par reconnaissance et certitude face à l'information révélée, ainsi que par soumission à l'ordre et à l'interdiction; de même que les autres éléments de la foi qui sont la cause de la vertu et de l'excellence. Cette excellence ne se confirme, pour ceux qui sont venus après eux dans cette communauté, que pour ceux qui preservent ces fondements. Les Compagnons, qu'Allah les agrée, entrent donc en premier lieu dans l'excellence de cette communauté et dans sa superiorite, comme cela est venu dans la parole d'Allah le Très-haut, selon le sens : "Vous êtes la meilleure communauté suscitee pour les gens : vous ordonnez le convenable, interdisez le blâmable et croyez en Allah" [Al 'Imran : 110].
As-Sa'di, qu'Allah lui fasse miséricorde, a dit : "C'est une préférence qu'Allah a accordée à cette communauté par ces causes, par lesquelles ils se sont distingués et ont surpassé toutes les autres communautés. Ils sont les meilleurs des gens pour les gens, par le conseil sincère, l'amour du bien, l'appel, l'enseignement, l'orientation, l'ordre du convenable et l'interdiction du blâmable, en reunissant le perfectionnement des créatures et l'effort pour leurs intérêts selon la possibilite, avec le perfectionnement de l'âme par la foi en Allah et l'accomplissement des droits de la foi."(2)
Ils étaient ainsi les plus miséricordieux des gens envers les croyants, les plus fermes contre la mécréance et les mécréants, et les plus soucieux d'obtenir l'agrement du Seigneur des mondes. C'est ainsi que leur description est venue dans la Thora. Allah le Très-haut a dit, selon le sens : "Muhammad est le Messager d'Allah. Ceux qui sont avec lui sont fermes envers les mécréants, miséricordieux entre eux. Tu les vois inclines, prosternes, recherchant une grace venant d'Allah et Son agrement. Leur marque est sur leurs visages, trace de la prosternation. Telle est leur description dans la Thora" [Al-Fath : 29].
Les Compagnons, qu'Allah les agrée, ont préservé la Shari'a, l'ont expliquée de la meilleure manière et l'ont transmise aux gens. Leur mérite est donc immense dans la propagation de l'Islam, l'appel à la religion d'Allah et le jihad dans le sentier d'Allah. Il n'échappe pas que le jihad par l'exposé et la clarification précède le jihad par l'épée, tout comme parmi les degrés du jihad figure le combat de l'âme, de la passion et de Satan afin d'accomplir les œuvres vertueuses avec la science profitable; et les Compagnons ont eu dans cela la part la plus abondante. C'est pourquoi Allah le Très-haut a fait leur éloge dans le Noble Coran pour ces qualités et d'autres encore, et Il les a agréés en disant, selon le sens : "Ceux qui ont cru, emigre et lutte de leurs biens et de leurs personnes dans le sentier d'Allah, ainsi que ceux qui ont donne refuge et secouru, ceux-là sont alliés les uns des autres" [Al-Anfal : 72]. Il a aussi dit, selon le sens : "Les tout premiers parmi les Emigres et les Auxiliaires, ainsi que ceux qui les ont suivis avec bienfaisance, Allah les agrée et ils L'agréent. Il leur a préparé des jardins sous lesquels coulent les rivieres, ou ils demeureront eternellement. Voilà l'immense succes" [At-Tawbah : 100].
Les Compagnons, qu'Allah les agrée, étaient également les gens de la langue arabe, qui est la meilleure des langues, celle dans laquelle est descendu le Noble Coran. Leur disposition naturelle et leurs langues n'ont pas été alterees par le mélange avec les non-Arabes, comme cela est arrive à ceux qui sont venus après eux. C'est la un autre mérite qui s'ajoute à leurs vertus. Allah le Très-haut a dit, selon le sens : "Il est certes une révélation du Seigneur des mondes. L'Esprit digne de confiance l'a fait descendre sur ton cœur, afin que tu sois du nombre des avertisseurs, en une langue arabe claire" [Ash-Shu'ara : 192-195].
As-Sa'di, qu'Allah lui fasse miséricorde, a dit : "Médite comment ces vertus eminentes se sont reunies dans ce Livre noble. Il est en effet le meilleur des Livres, descendu par le meilleur des anges, sur la meilleure des créatures, sur la meilleure partie de lui, a savoir son cœur, sur la meilleure communauté suscitee pour les gens, dans la meilleure, la plus eloquente et la plus vaste des langues : la langue arabe claire."(3)
Les Compagnons, qu'Allah les agrée, ont vécu à l'époque de la révélation et ont connu les causes de la venue des hadiths. Ils étaient plus proches de la lumière de la prophetie, et recevaient plus directement de sa niche lumineuse. Avec cela, le Prophète, qu'Allah fasse ses éloges et lui accorde le salut, les a appelés à l'ijtihad en disant : "Lorsque le juge juge et fournit un effort d'ijtihad, puis atteint la vérité, il a deux récompenses; et lorsqu'il juge et fournit un effort d'ijtihad, puis se trompe, il a une récompense."(4)
Ils se sont exercés a l'ijtihad et a la déduction, et ont été formes a faire face aux questions et aux affaires nouvelles. Ils argumentaient par les preuves de la Législation, tirees du Livre et de la Sunna. S'ils étaient unanimes sur une chose, cela constituait un consensus, qui est la troisième preuve parmi les preuves de la Législation. S'ils n'étaient pas unanimes, l'affaire restait dans le domaine de l'analogie et de l'examen, qui est la quatrième preuve parmi les preuves de la Législation. A leur époque, ils appliquaient les règles des fondements dans leur réalité même, même s'ils ne les nommaient pas par les termes techniques actuels.
Les Compagnons étaient parmi les gens qui comprenaient le mieux les indications des termes et leurs formes, parce qu'ils étaient les gens de l'eloquence et de la langue. L'arabe était leur nature et leur disposition; les sens corrects étaient enracines dans leur nature première et leurs raisons. Ils n'avaient donc pas besoin des règles de grammaire ni des balances de la morphologie, car ils parlaient l'arabe pur et observaient les desinences avant même que la science de la grammaire et de la morphologie ne soit établie.
De même, ils n'avaient pas besoin d'examiner les chaînes de transmission, les états des rapporteurs, les defauts caches du hadith, ni la critique et l'accreditation des rapporteurs, en raison de leur honorabilite et de la purification que les textes du Coran et du hadith ont faite d'eux. Ils étaient donc aussi dispenses d'examiner les règles des fondements et les formulations des specialistes des fondements, puisqu'ils connaissaient mieux l'interprétation et les objectifs de la Shari'a, du fait de ce qui les distinguait : la pureté de l'esprit, la vivacité de l'intelligence dans la perception des visées, des portées et des finalités. Cela leur a donne une force les rendant aptes à comprendre ce que vise le Legislateur, a suivre les textes, a en deduire les jugements et a fournir l'ijtihad dans ce au sujet de quoi aucun texte n'était rapporté.
'Umar ibn Al-Khattab, qu'Allah l'agrée, adressa une lettre a Abu Musa Al-Ash'ari, qu'Allah l'agrée, dans laquelle il disait : "Comprends bien ce qui remue dans ta poitrine au sujet de ce qui ne se trouve ni dans le Livre ni dans la Sunna; puis connais les cas semblables et les exemples, compare alors les affaires par analogie, et recherche celle d'entre elles qui est la plus proche d'Allah et la plus conforme à la vérité."(5) Par cette parole, 'Umar, qu'Allah l'agrée, a établi deux fondements : le premier est la règle : "Il n'y a pas d'ijtihad la ou il y a un texte." Le second est l'établissement du principe de l'analogie et de la connaissance des causes des jugements.(6)
Les Compagnons, qu'Allah les agrée, sont ceux de cette communauté qui connaissaient le mieux les questions de religion, comme cela a précédé. Plus encore, ils étaient ceux qui connaissaient le mieux, en particulier, les questions de croyance. En effet, lorsqu'ils s'en sont acquittes par science, croyance et action, Allah le Très-haut les a secourus. C'est pourquoi il n'y eut jamais, absolument jamais, de divergence entre les Compagnons du Prophète, qu'Allah fasse ses éloges et lui accorde le salut, dans les fondements des croyances et des jugements. Le cadre de la divergence dans laquelle les Compagnons, qu'Allah les agrée, sont tombes se limite seulement a certaines questions secondaires de croyance, ou a certaines questions de fiqh susceptibles de divergence, comme je l'ai exposé dans certaines réponses aux objections formulées à ce sujet.(7)
Leur voie repose donc sur l'établissement de la croyance saine, l'argumentation en sa faveur et sa défense, surtout dans les grandes questions liées au fondement des fondements, ainsi qu'à ce qui s'y rattache parmi les questions du tawhid, de la foi et des autres questions de croyance. Il en va de même pour ce qui se rattache aux règles fondamentales dans la compréhension de l'Islam et sa mise en pratique, dans le texte comme dans l'esprit, ainsi qu'aux principes et valeurs islamiques auxquels nous devons nous attacher comme ils s'y sont attaches dans la défense de la vérité qu'ils connaissaient, face à tous les défis, questions nouvelles et affaires soulevées à leur époque et dans les epoques qui l'ont suivie.
Le plus heureux des gens dans l'atteinte de la justesse est celui à qui il est accorde de correspondre aux Compagnons dans ce qui ressemble a la situation sur laquelle ils ont juge. Quant à ce qui peut impliquer une différence de jugement en raison d'une différence de situation, cela a son jugement propre.
Les Compagnons, qu'Allah les agrée, ont manifeste un soin remarquable envers la Sunna prophétique. Ils s'y sont consacres dans l'acquisition, la revision mutuelle et la transmission. Ils ont veille a la préserver et a la sauvegarder depuis l'époque du Prophète, qu'Allah fasse ses éloges et lui accorde le salut. Ils ont fait de l'attention portée a la Sunna et de la mise en pratique de ce qu'elle implique, en obéissance, comportement et appel, l'une des plus grandes œuvres par lesquelles on se rapproche d'Allah et l'une des premières obéissances. Ils étaient les plus prompts des gens a répondre aux ordres d'Allah le Très-haut et les plus prompts a recevoir du Messager d'Allah, qu'Allah fasse ses éloges et lui accorde le salut. C'est pourquoi ils ont devance les communautés qui les ont precedes et surpassé ceux qui sont venus après eux dans cette communauté.
Ash-Shatibi, qu'Allah le Très-haut lui fasse miséricorde, a dit : "Ses Compagnons le prenaient pour modèle, c'est-à-dire leur Prophète, qu'Allah fasse ses éloges et lui accorde le salut, et se guidaient par sa guidée. Leur éloge est venu dans le Noble Coran, et l'éloge de celui qu'ils suivaient, Muhammad, qu'Allah fasse ses éloges et lui accorde le salut, y est venu. Or son comportement, qu'Allah fasse ses éloges et lui accorde le salut, était le Coran. Allah le Très-haut a dit : 'Tu es certes d'un comportement eminent' [Al-Qalam : 4]. Le Coran est donc, en réalité, ce qui est suivi; la Sunna est venue l'expliquer. Celui qui suit la Sunna suit donc le Coran. Les Compagnons étaient les gens les plus dignes de cela. Ainsi, toute personne qui les prend pour modèle fait partie du groupe sauve qui entrera au Paradis par la grace d'Allah, et tel est le sens de sa parole, que les éloges et le salut soient sur lui : 'Ce sur quoi je suis, moi et mes Compagnons.'(8) Le Livre et la Sunna sont la voie droite, et ce qui est en dehors d'eux deux, comme le consensus et autre que lui, en découle."(9)
Celui qui accorde de l'attention à leur science et à leur fiqh tire profit de nombreuses sciences dans la vie d'ici-bas et dans l'au-delà. Son affiliation à eux, ainsi qu'à ceux qui sont venus après eux et qui ont suivi leur voie avec bienfaisance parmi les gens de la Sunna et du Groupe, devient une affiliation de véracité et de vérité, non une affiliation de faussete et de manoeuvre. Cela lui procure honneur et noblesse, surtout lorsque cela se concretise par l'œuvre correcte appuyee par le Livre et la Sunna.
Le defaut et le blâme resident seulement dans le fait de contredire la croyance des pieux predecesseurs dans l'un des fondements, car la voie des salaf ne peut être que vérité. Allah le Très-haut a dit, selon le sens : "Quiconque s'oppose au Messager après que la guidée lui est apparue clairement et suit un autre chemin que celui des croyants, Nous le laisserons suivre ce qu'il a choisi et le ferons brûler dans l'Enfer. Quelle mauvaise destination !" [An-Nisa : 115]
Ce verset, de même qu'il est une preuve de l'autorité du consensus en fiqh et en croyance, et de l'interdiction de le contredire après que la guidée sur laquelle le consensus a abouti est devenue claire, au premier rang de quoi se trouve le consensus des Compagnons, est aussi une preuve que le chemin des croyants parmi les Compagnons, dans la croyance et la voie, est une guidée. De même, ce sur quoi ils se sont accordes en fiqh, il n'est pas permis de le contredire. Celui qui suit un autre chemin que le leur après que celui-ci lui est devenu clair est menace par la menace mentionnée.
De même que la menace s'applique au fait de s'opposer au Messager pris independamment, puisque l'opposition au Messager, a elle seule, suffit pour que la menace s'applique et soit meritee, de même suivre un autre chemin que celui des croyants et une autre compréhension que la leur suffit, a lui seul, pour que la menace s'applique également. Ainsi est établie l'autorité de la voie des salaf et de leur compréhension, ainsi que l'autorité du consensus. En effet, la menace s'attache soit à la réunion des deux conditions, c'est-à-dire l'opposition au Messager et le suivi d'un autre chemin que celui des croyants, soit au fait que chacune des deux, prise séparément, suffit pour que la menace s'applique. Il n'est pas permis qu'elle s'applique a l'une des deux prise séparément sans s'appliquer a l'autre prise séparément; sinon, la mention de la seconde serait vaine, ce dont la parole d'Allah est exempte, car elle n'aurait alors aucun effet sur le jugement, ni dans son application ni dans son aggravation.
Et la science est auprès d'Allah le Très-haut. Notre dernière invocation est : la louange est à Allah, Seigneur des mondes. Qu'Allah fasse les éloges de notre Prophète Muhammad et lui accorde le salut, ainsi qu'à sa famille, ses Compagnons et ses frères jusqu'au Jour de la Récompense.
Alger, le 20 Dhu al-Qi'dah 1446 H, correspondant au 18 mai 2025.
(1) Rapporté par Ahmad (3600), et de façon proche par Abu Dawud At-Tayalisi (246), puis par sa voie Abu Nu'aym dans "Al-Hilyah" (1/375), et At-Tabarani dans "Al-Kabir" (8582, 8583). Ahmad Shakir en a authentifié la chaîne (3/505), ainsi qu'Al-Albani, comme dans "As-Silsilah Ad-Da'ifah" (2/17).
(2) "Tafsir As-Sa'di" (972).
(3) La source précédente (597).
(4) Authentique unanimement rapporté : Al-Bukhari l'a rapporté dans "Al-I'tisam bi-l-Kitab wa-s-Sunnah", chapitre sur la récompense du juge lorsqu'il fournit un effort d'ijtihad puis atteint la vérité ou se trompe (7352), et Muslim dans "Al-Aqdiyah" (1716), d'après 'Amr ibn Al-'As, qu'Allah l'agrée.
(5) Al-Mubarrid l'a mentionné avec cette formulation dans "Al-Kamil fi-l-Lughah wa-l-Adab" (1/15). Ad-Daraqutni l'a rapporté (4471) avec la formulation : "Comprends, comprends ce qui remue dans ta poitrine parmi ce qui ne t'est pas parvenu dans le Livre et la Sunna; connais les exemples et les cas semblables, puis compare alors les affaires par analogie, et recherche celle qui est la plus aimee d'Allah et la plus conforme à la vérité selon ce que tu vois." Al-Bayhaqi l'a rapporté dans "As-Sunan Al-Kubra" (20347), et Al-Khatib dans "Al-Faqih wa-l-Mutafaqqih" (1/200). Ibn Hajar, qu'Allah lui fasse miséricorde, a dit dans "At-Talkhis Al-Habir" (4/196), après avoir cite l'objection d'Ibn Hazm et sa critique de ses deux voies : "Cependant, la différence de provenance des deux voies renforce l'origine de la lettre, surtout que dans certaines de ses voies, il est mentionne que son rapporteur a sorti la lettre écrite." Ibn Al-Qayyim, qu'Allah lui fasse miséricorde, a décrit la lettre de 'Umar ibn Al-Khattab, qu'Allah l'agrée, après l'avoir citee, comme étant "une lettre eminente que les savants ont reçue avec acceptation, sur laquelle ils ont bâti les fondements du jugement et du témoignage. Le juge et le mufti sont ceux qui en ont le plus besoin, ainsi que de sa méditation et de sa compréhension." Voir : "I'lam Al-Muwaqqi'in" (1/85-86).
(6) Voir : l'introduction de mon ouvrage ["Al-Fath Al-Ma'mul", commentaire de "Mabadi' Al-Usul"] (p. 9-10).
(7) Voir la fatwa numéro 1275 intitulée "Réponse a l'objection contre 'La divergence des salaf dans les questions secondaires de croyance'", sur le site officiel.
(8) Partie du célèbre hadith de la division des communautés. At-Tirmidhi l'a rapporté avec cette formulation dans "Al-Iman", chapitre concernant ce qui est venu au sujet de la division de cette communauté (2641), d'après 'Abd Allah ibn 'Amr ibn Al-'As, qu'Allah les agrée tous deux. Al-Albani l'a declare bon dans "Sahih Sunan At-Tirmidhi" (3/54).
(9) "Al-I'tisam" d'Ash-Shatibi (2/252).
Savant cité : Cheikh Muhammad Ali Ferkous
Titre arabe source : في الخصائص المُميِّزةِ للصَّحابة رضي الله عنهم وأهمِّيَّةِ العناية بفِقههم
Source officielle : Site officiel de Cheikh Muhammad Ali Ferkous






